الأربعاء، 29 فبراير 2012

وبدأ العد التنازلي.....

بسم الله الرحمن الرحيم
يوم وبضع ساعات هو كل ما تبقى من وقت معها. لأول مرة أتأثر كثيراً وأحزن  لرحيل إحداهن.
جمعت من إخوتي ميزانية ونزلت والدتي مع أخي لاختيار سلسال ذهب نهديه لها عند وداعها. لم أشعر بعد بأن هذا شيء مميز يليق بها وبمشاعري تجاه رحيلها ،فبدأت أكتب لها رسالة وداع تحفيزية.
لعل ما قربني خطوة نحو الرضا بأنني قد أوصلت مشاعري لها ، هو بريق عينيها الذي لطالما كان وقود نقاشاتنا ، عندما أهديتها كتاب(up words for down days) قد مضى عليه زمن في مكتبتي الخاصة ، اشتهيته لها . وإذ بالحماس والمفاجأة يتراقصان وقالت: هذا الكتاب اللي كان نفسي فيه!كيف عرفتي أنني أريده؟  وأفصحت لي بأنها كلما نظفت أرفف مكتبتي لفت نظرها اسم الكتاب وأنها قد فتحته واطلعت على بعض صفحاته عدة مرات. 
و عندما فاجأتها بظرفين بهما المال لإعانتها في هدفها لإكمال دراستها، كنت قد بدأت بملئهما من أواخر 2009. في كل شهر آخذ من مرتب الجامعة مبلغ بسيط وأضعه في هذا الظرف حتى وصلنا إلى مارس 2012 وقد حان وقت انطلاق رحلتها.


اسمحوا لي أن آخذكم لبداية الحكاية عندما كانت"كارين" مجرد خادمة منزل جديدة ، كتب لها القدر أن تصل لنا بالطائرة من الفلبين لتعيل عائلتها وتجمع المال لتكمل دراستها. قبل أربع سنوات وصلت كارين لمنزلنا وكلها طموح بأن تجمع المال لترجع وتدرس في الجامعة .لم يخف على أحد أنها منفتحة جداً لتعلم الأشياء الجديدة وأنها مستعدة للمحاولة والخطأ والتصحيح.


  كنا نتناقش كثيراً عن التخصصات الجامعية والدين والمواضيع المختلفة. عندها شغف 
كبير للقراءة وتطوير ذاتها .وكانت مستمعة جيدة تمتص الكلام وتفكر فيه وترجع 
تحاورني ونتناقش.
نَهَمها للقراءة جعلني أفكر في طريقة أجعل فيها الجميع كسبان .فأصبحت أقتني الكتب المختلفة ، من كتب تطوير ذات إلى روايات وسير ذاتية ، وكتب تعريف بالإسلام.ثم اضع سعر بسيط لكل كتاب ،بحيث أه عندما تخبرني انتهائها من قراءة كتاب أعطها السعر مالاً.كأني أدفع لها لتقرأ.


هي ليست مسلمة ولكن أحاديثنا العقلانية وأسئلتها المستمرة ؛ اتعلمت كيف أخلي كلام الدين والنقاش يكون بشكل هادئ وعقلاني أكثر من ما يكون مبني على أحاسيس وكمان ركزت معاها على الدين في حياتنا اليومية وفي الأشياء اللي بنشوفنا بنعملها( صرف الزوج عالزوجة، الزكاة، الكرم، صلة الرحم، الابتسامة) وتعاملاتنا كبشر، بنيت باتجاهها جسر تفاهم وثقة اللي خلاها تسأل بأريحية في أمور مختلفة وتستفسر عن اللي مش بتفهمه في الكتيبات التعريفية وإنها تحكيلي عن مفاهيمها المغلوطة من قبل ما تجي؛ لدرجة إنها جت وقالت لي  بعد تقريبا سنة ونص من وجودها، أنا صرت أؤمن إنه دينكم هو الصح ولكن ما بقدر أغير ديني وكل أهلي مسيحيين من زمان ،قلت لها إنه كتير من اللي بيسلموا ليكونوا في نفس الموقف بس ربنا بيساعدك وإنه أكيد هيكون في صعاب في البداية . ما أسلمت لهلأ لكني أتمنى لها من قلبي البشري أن ينير لها الحق قلبها البشري
مرت كارين في مواقف ضعف وإحباط جعلت من واجبي أن أعينها على استيضاح رؤيتها من جديد والرجوع لطريق تحقيق هدفها و على تحفيزها . فبعد عامين حدث مع عائلتها ظرف مؤسف اضطرت فيه أن تعينهم بإرسال كل ما ادخرته بما في ذلك مدخرات الجامعة . وأيضاً ، شعورها بالإحباط عندما تخرج ثلاثة  من معارفها في نفس الشهر، وأنها ما زالت بشهادتها المدرسية ، تعمل كخادمة منزل بعيد عن أهلها لتقدر دخول الجامعة .
 كارين عاشت معنا أربع سنوات ، وستنظر لهم على أنهم محطة مهمة في حياتها. وكذلك أنا! اراد الله لنا أن نكون في نفس المكان والزمان لحكمة يعلمها سبحانه ، فلقد أغنت تفكيري وعرفتني أكثر على نفسي و أكسبتني صديقة أكبر مني بقليل من الفلبين اسمها كارين ........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق